رأي

الصحافة العراقية بين قمع السلطة وتمكن المليشيات

تراجع حرية الصحافة في العراق، لا يرجع الى خطف الصحفيين الأجانب وعدم توفر بيئة آمنة للعمل الصحفي المهني في البلاد فقط، بل الى تعرض الصحفيين في الداخل لحملات يومية من فعل الحاكمية الشيعية والسنية والكردية في دولة ما بعد الدكتاتورية

أمين ناصر

في اليوم العالمي لحرية الصحافة، ما الذي فعله رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني بالصحفيين المستقلين؟
ولماذا تراجع العراق لأول مرة منذ ما بعد التغيير في 2003 الى المرتبة الـ ١٣ عربياً ليتخلف بسبع نقاط عن دول المنطقة قياساً بمستويات سابقة في حكومات خلت ليصل إلى المرتبة ١٦٢ عالمياً ؟!
فبعد أن كانت الصحافة العراقية في العقود الماضية وحتى فترة ما قبل الدكتاتورية هي الرائدة الاولى في المنطقة العربية لاسيما الورقية المقروءة وحتى الإذاعية، اختفت هذه الوسائل وكادت أن تنقرض تماماً، ليس بسبب قفزة التطور التي حدثت مؤخراً ونقلت الصحافة الخبرية وغيرها الى المنصات الرقمية بل بسبب الآلية التي أدارت بها الجماعات الطارئة على المشهد العراقي هذا الملف.
نعم لم يعد في العراق ما يعرف بالسلطة الرابعة ولولا موقف السيد رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان وبعض المسؤولين عن الملف الأمني لشهدنا عمليات قتل واعتقال وخطف وتغييب قسري وإخفاء للعشرات منهم في الشهر الواحد.
الحديث هنا ليس عن خطف الصحفيين الأجانب وعدم توفر بيئة آمنة للعمل الصحفي المهني في العراق فحسب، بل عن صحفيي الداخل وما تعرضوا له وما زالوا من حملات يومية جميعها من فعل الحاكمية الشيعية والسنية والكردية في دولة ما بعد الدكتاتورية، حتى بات بعض الصحفيين يتعمدون الهرب الى الخارج لبث برامجهم من هناك وحتى انتقالا لتاسيس استديوهات بث في تركيا والأردن ولندن ومصر وايران ولبنان.
ناهيك عن تعمد بعض الصحفيين والإعلاميين البقاء داخل الفنادق وسط بغداد وعدم مغادرتها خشية القتل او الاختطاف كفندقي الرشيد وبابل.
في العراق تعد مسائل الولاءات والانتماءات الحزبية وتفلت السلاح والسيطرة على القرار، من قبل ميلشيات ارتبطت بالحكومة السابقة، من بين اهم اسباب هذا التراجع بل السيطرة على الخطاب الإعلامي وسط مؤسسات تلفزيونية تغسل للطبقة الحاكمة وجهها والأموال، وتستخدم النفوذ في العبور حتى الى بعض القنوات العربية بتقديم الرشاوى لرفع هذا الطرف وتغطيس الاخر.

لماذا حدث ذلك؟

يأتي ذلك لأن مجموعة من القتلة والمحرضين والمزورين ممن يتبعون جهات مطلوبة دولياً بتهم الأرهاب وقتل المدنيين والتحريض على الأبرياء وحتى على اجهزة الدولة الامنية والمؤسسات الحكومية تمكنوا من تسنم مواقع وإدارة مكاتب إعلامية وقنوات حكومية وتأسيس قنوات حزبية وسيطروا على مراكز القرار الإعلامي والصحفي وبعض النقابات.
ولاحقاً شكلوا جيوشاً رديفة عرفت “بالذباب الإلكتروني” تُمول من شخصيات تدعي الديمقراطية ولها نواب وكتل و واجهات حزبية وسياسية واجتماعية. جماعات كانت تدعي المظلومية وتقييد الحريات في عهد الدكتاتورية..! لتمارس سلوكيات تعد الأخطر والأكثر تشدداً حتى من تلك التي كانت تمارس في عصر الإعلام والتلفزيون الواحد الموجه في زمن صاحب اكبر مقابر جماعية في التاريخ ..!
تشير الإحصاءات بحسب الاستبيانات إلى أن العراق شهد تراجعاً ملحوظاً في حرية الصحافة لعام 2026، حيث هبط إلى المرتبة 162 عالمياً و13 عربياً، مسجلاً أدنى مستوياته منذ 2022.
اذ توثق التقارير استمرار الانتهاكات، الملاحقات القضائية، والقيود الأمنية، بما في ذلك التهديد المباشر والاختطاف، مما يخلق بيئة “خطر” للعمل الصحفي وتضييقاً ممنهجاً على حرية التعبير.
 
أبرز ملامح تراجع حرية الصحافة في العراق (2025-2026)


تصنيف متدنٍ: تراجع العراق 7 مراكز في تصنيف منظمة مراسلون بلا حدود لعام 2026.
انتهاكات واسعة: اذ وثق مركز النخيل أكثر من 100 حالة انتهاك ضد الصحفيين والمؤسسات الإعلامية خلال عام 2025، و35 حالة في الربع الأول من 2026.
بيئة عمل غير آمنة: تشمل المخاطر التهديد المباشر، الاختطاف، والاعتداءات الميدانية من قبل جماعات مسلحة وسلطات نافذة.
قيود قانونية وسياسية: زادت الملاحقات القضائية (الدعاوى الكيدية) والقيود القانونية، بالإضافة إلى سيطرة الأحزاب السياسية على الفضاء الإعلامي.
ملاحقات وتهديد وترويع وطرد وظيفي تعسفي لصحافيين وإعلاميين، وإغلاق محطات وبرامج.
الملاحقات طالت شخصيات عدة مثل حسام الحاج وقصي شفيق وحيدر الحمداني وسحر عباس ومنى سامي وهشام علي وأحمد الملا طلال وعدنان الطائي ومحمد نعناع وأحمد الذبحاوي ومنتظر ناصر وياسر عامر ومحمد جبار وأحمد الطيب والعشرات.
حتى اللحظة معظم القضايا التي رفض تمريرها القضاء العراقي في موقف يعد الأول من نوعه بتاريخ هذا القضاء هي قضايا السلطة ورئيس الوزراء وحكومته ومدير مكتبه الإعلامي، المحرر السابق في قناة العهد الفضائية التابعة لحركة العصائب.
الى جانب قضايا كيدية اخرى موجهة ضد صحفيين من قبل رئيس أمناء شبكة الإعلام العراقي، قناة الدولة “المستقلة”..!
 
النقابة الغائبة


نقابة الصحفيين في العراق مغيبة هي الأخرى ونائمة في عسل السلطة منذ اغتيال نقيبها الأسبق شهاب التميمي، وعدد كبير من الصحفيين واختطافها..!
 
الصحفيون المستقلون في العراق يعملون وسط بيئة طاردة مما دفعهم إلى مغادرة العراق هرباً او تركاً لهذه المهنة المتعبة إلا للأبواق واللصوص و وعاظ السلاطين.

زر الذهاب إلى الأعلى