المشروع الحلم يتحول الى كابوس.. (روناكي) أنار الإقليم لكنه أغرق آلافا من مواطنيه في الديون
صلاح حسن بابان
مشروع كهرباء “روناكي” في اقليم كردستان الذي كان يعد بالخلاص من أزمات الكهرباء المستمرة منذ ثلاثين عاما، بتوفيرها لـ 24 ساعة يوميا، تحول الى معضلة بفواتير جباية كبيرة فاقمت المعاناة الاقتصادية لمواطني الاقليم، قبل ان يسقط في امتحان حالة الطوارئ
فوجِئت سندس كمال (34 سنة) التي تقيم في أربيل باقليم كردستان العراق، في شهر كانون الأول/يناير2026، بفاتورة الكهرباء المرتفعة التي تلقتها، رغم محاولات عائلتها تخفيض الاستهلاك من خلال تقليل تشغيل المدافئ الكهربائية وسخان المياه. تقول: “380 ألف دينار (250 دولار) لشهر واحد مبلغ كبير جدا. أسعار الكهرباء أرتفعت نحو خمسة أضعاف وصارت كارثية”.
تضيف بنبرة صوت حادة معربة عن استيائها:”الأسعار الجديدة لا تناسب مداخيل العوائل الكردية. أنا أعمل ثمانية ساعات يوميا في مطعم مقابل 400 ألف دينار شهريا، هكذا راتبي كله سيذهب لفاتورة الكهرباء. وزوجي يعمل معلما في مدرسة ابتدائية بعقد عمل لا يتجاوز 300 الف دينار شهريا، وبالكاد يغطي ايجار المنزل.. فكيف سنعيش؟”.
عائلة سندس، المؤلفة من خمسة أفراد، كانت تسدد بين (20- 30) ألف دينار اجوراً شهرية للكهرباء التي توفرها الدولة والتي تعرف في العراق بـ (الكهرباء الوطنية) مع مبلغ يتراوح بين 60 الى 80 الف دينار لكهرباء المولدة الأهلية، لكن مع بدء الحكومة اعتماد مشروع (روناكي- انارة) الذي يوفر الكهرباء لـ24 ساعة، تضاعفت عدة مرات فواتير الكهرباء، ومع مطلع العام 2026 تلقى عشرات الآلاف من مواطني الاقليم بما فيهم محدودي الدخل مثل “سندس” فواتيرا بمئات آلاف الدنانير وأحيانا بالملايين.
تأخذها لحظة صمت، قبل أن تضيف:”اذا لم أسدد فاتورة الكهرباء سيتم قطعها عنا، واذا أجلت تسديد بدل إيجار المنزل فستتراكم الديون علينا، واذا دفعته، كيف سأطعم أطفالي وأؤمن بقية مصارف العائلة؟”.
طوال نحو عام، سوقت الشركة المعنية بمشروع (روناكي) ومسؤولون كبار في حكومة اقليم كردستان، المشروع بأنه يمثل الخلاص لمشكلة الانقطاعات الكهربائية المستمرة منذ مطلع تسعينات القرن الماضي، وانه سيكلف المواطنين مبالغ اقل مقابل كهرباء دائمة، مؤكدين ان كلفة الكيلوواط الواحد وان تضاعفت عدة مرات فانها ستلبي حاجات معظم المواطنين بأسعار مقبولة وبشكل دائم.
لكن حتى وعود توفير كهرباء دائمة لم تتحقق، فخلال الأشهر الأخيرة فشل المشروع في تأمين الكهرباء لـ 24 ساعة فكانت القطوعات تتكرر بين فترة وأخرى ولبضع ساعات. كما ان المشروع الذي يعتمد على الغاز في انتاج الكهرباء توقف بنحو شبه كلي بعد تعثر تزويد محطاته بالغاز اثر تعرض حقول انتاج الغاز الى هجوم في الصيف الماضي. حيث ظهر ان الشركة التي تدير المشروع لا تملك اية احتياطات للغاز لإدامة الانتاج.
وتكرر التوقف شبه الكلي، في نهاية شهر فبرير شباط الماضي مع الهجوم الامريكي الاسرائيلي على ايران، حيث قررت الشركة المنتجة للغاز ايقاف الانتاج، ومعها تراجعت ساعات التجهيز الى أقل من أربع ساعات يوميا، وهو ما أثار غضب المشتركين “أسعار مرتفعة جداً، وعجز عن العمل مع اي ظرف طارئ”، كما يقول غالب حسن، وهو صاحب متجر غذائيات في اربيل.
يضيف:”اللحوم وبعض المواد الغذائية، كانت ستتعفن في البرادات، لذا أجبرنا سريعا على شراء مولدات كهرباء خاصة بنا، فالحكومة ليست لديها حلول لحالات الطوارئ حتى المتوقعة منها كالحرب الحالية”.
مشروع للانارة فقط
أمام فواتير الكهرباء التي وصفت بـ”الكبيرة” و”الصادمة”، لا تملك عشرات آلاف العوائل الكردية، الا اللجوء لمزيد من الترشيد في الاستهلاك من خلال الاستغناء تماما عن أجهزة التدفئة والسخانات، والاكتفاء باستخدام الكهرباء للانارة ولتشغيل الثلاجات وأجهزة التلفاز، لتلافي فواتير مماثلة في شهري شباط فبراير وآذار مارس، حيث يكون استهلاك الكهرباء عاليا في العادة قبل ان تتراجع في أشهر الربيع ثم تتصاعد مجددا في الصيف.
يقول محمد حسين (58 عاما) من حي “هوليرى نوى” في اربيل، والذي يعمل محاميا، ان الفاتورة الخاصة بمنزله تجاوزت الـ 420 الف دينار، لمدة 35 يوما، على الرغم من محاولة ترشيد الاستهلاك التي اتبعها منذ بدء الشتاء.
ويوضح:”الفواتير عموما لشهر كانون الثاني يناير كانت مرتفعة أكثر من المتوقع مقارنة بشهري تشرين الثاني نوفمبر وكانون الاول ديسمبر، حيث لم تكن تتجاوز الـ 150 الف دينار.. لم أكن أتوقع أن تتضاعف لثلاث مرات”، مؤكدا ان بعض أقاربه تلقوا فواتير تجاوزت النصف مليون دينار وهم موظفون معدل رواتبهم لا تتجاوز المليون دينار.
مسؤولون حكوميون ذكروا بأن الفواتير العالية التي تلقاها آلاف المشتركين، جاءت بسبب استهلاكهم كميات أكبر من المعتاد نتيجة الانخفاض الحاد في درجات الحرارة، خاصة مع لجوء المواطنين الى وسائل التدفئة الكهربائية وهو ما ضاعف عليهم الأجور.
يحدث ذلك في ظل أزمات مالية واقتصادية وسياسية يعيشها اقليم كردستان منذ العام 2013 على خلفية المشاكل المالية بين العاصمة بغداد وحكومة الإقليم والمرتبطة بملف عائدات النفط المنتج في كردستان، وهو ما أدى لاحقا الى توقف حكومة بغداد عن ارسال حصة الاقليم من الموازنة الاتحادية ما تسبب عمليا بتعثر دفع رواتب موظفي الاقليم والفشل في صرفها لعدة أشهر في كل عام.
من أمل إلى كابوس؟
منتصف صيف 2025، أطلقت الحكومة التاسعة، المنتهية ولايتها منذ 2023، في إقليم كردستان مشروع (روناكي) لتوفير الكهرباء للقطاعين السكني والتجاري على مدار الساعة، كما هو معلن، وليغطي جميع انحاء الاقليم بحلول نهاية عام 2026.
تبلغ اعداد المستفيدين حاليا من المشروع نحو 4.5 مليون مواطن، أي ما يقدر بـ 70% من سكان إقليم کردستان، إذ أن هناك بعض الأقضية والنواحي التابعة لمحافظات الإقليم الأربع لم تصلها كهرباء (روناكي)، ويتم العمل على اكمال تغطية كامل الاقليم قبل نهاية العام 2026.
يشرف على المشروع، الذي ينهي استخدام مولدات الكهرباء الأهلية في الأحياء السكنية بنحو كامل، فريق خاص تابع لمكتب رئيس حكومة كردستان مسرور بارزاني، يؤكد باستمرار انه يهدف الى خدمة سكان الاقليم وتوفير كهرباء دائمة لهم باسعار متوسطة لإنهاء مشكلة مستمرة منذ أكثر من 30 عاماً.
أدى المشروع فعلياً إلى ايقاف تشغيل ما مجموعها 3,700 مولدة كهرباء أهلية تعمل بالديزل كانت تمد الأحياء السكنية بالكهرباء من خلال نظام الأمبيرات، وهذا العدد يشكل 50% من اجمالي المولدات في كردستان حتى الآن، وبحلول نهاية العام 2026، تخطط حكومة الإقليم لإيقاف البقية بشكل شبه كامل، مع إبقاء مولدات الأبراج السكنية والتجارية والمؤسسات العامة وبعض الأحياء لتعمل في حالات الطوارئ.
وحددت حكومة الاقليم عدة أهداف من المشروع، على رأسها توفير الكهرباء لـ24 ساعة للمواطنين وأصحاب المشاريع، والمساهمة في التنمية الصناعية، وتحسين البيئة من خلال إنهاء الاعتماد على مولدات الديزل الكهربائية.
إلا أن المشروع منذ انطلاقته واجه انتقادات واسعة من قوى المعارضة، خاصة بسبب رسوم الجباية المرتفعة التي تتحدد من خلال سعر الكيلوواط الواحد في الساعة، وعلى ثلاث مستويات تصاعدية من الاستهلاك. والتي يرى المعارضون انها لا تتناسب مع الدخل الشهري لمعظم الشرائح من موظفين ومتقاعدين وعمال وكسبة، خاصة في اقليم نفطي لا يستورد الوقود اللازم لتشغيل محطات الكهرباء.
ووفقا لنواب في البرلمان الكردستاني ومواطنين في اقليم كردستان، حوّلت رسوم الكهرباء العالية مشروع (روناكي) من انجاز حكومي إلى “كابوس” يواجهه ذوي المداخيل المحدودة. وهناك من يصفه بمشروع تجاري ربحي يستخدم وسيلة جباية قاسية تفتقر إلى العدالة الاجتماعية، ولا سيما بعد أن أصبحت رسوم الكهرباء للكثير من المنازل أعلى من الدخل الشهري لربّ العائلة.
انتقادات واسعة وترقب حكومي
في الأسابيع الأخيرة غصت وسائل التواصل الاجتماعي، بمئات المنتقدين لأجور الجباية المرتفعة.
أحد المواطنين من ذوي الاحتياجات الخاصة في مدينة أربيل، ظهر وهو يتحدث بانفعال في مقطع فيديو تم تداوله على نحو واسع، مؤكدا ان فاتورة منزله حملت مبلغ (140) ألف دينار عراقي لشهر واحد، على الرغم من أنه لا يمتلك أجهزة تدفئة كهربائية تحتاج الى الكثير من الطاقة. وقال انه لن يستطيع دفع ذلك المبلغ. وهو ما يعني قطع الكهرباء عن منزله، حيث قطعت الشركة المسؤولة عن المشروع الكهرباء عن مئات المشتركين ممن تأخروا في الدفع.
وظهر مواطن آخر في مقطع فيديو منفصل، يؤكد بأن راتبه الشهري يبلغ (500) ألف دينار عراقي،
وأن مساحة منزله هي 100 متر مربع، ومع ذلك حملت فاتورة الكهرباء لشهر كانون الثاني/يناير 700 ألف دينار عراقي. ووصف ما حصل بأنه يصلح أن يكون “ترند العام 2026”.
ارتفاع أجور جباية الكهرباء لم تقتصر على القطاع السكني، بل امتد إلى القطاعين التجاري والصناعي
كذلك، إذ اشتكى بعض أصحابها من تلقي فواتير بلغت عشرات الملايين من الدنانير. من بينهم صاحب متجر مساحته 100 متر مربع في أربيل، تلقى فاتورة كهرباء تجاوزت (117) مليون دينار عراقي، وهو مبلغ يقول بأنه أصابه بالذهول الشديد، وأدخله في أزمة نفسية.
تجار وأصحاب مشاريع صناعية يعتقدون بأن اجور الكهرباء المرتفعة ستفضي بالنتيجة إلى ارتفاع أسعار المنتجات وبالتالي تصاعد الضغوط على المستهلك، أو حتى إلى توقف مشاريع معينة عن العمل لعدم التمكن من تحمل التكاليف العالية.
“ليست جباية وإنما سرقة” عبارة يرددها المحتجون على فواتير الكهرباء، وبلغ الأمر بـ أحد موظفي الكهرباء في إدارة رابرين، التابعة لمحافظة السليمانية، أن يقول في لحظة غضب العبارة خلال لقاء تلفزيوني وهو يحمل رزمة من فواتير الكهرباء التي يوزعها على المنازل. إذ ردد قائلا “سرقة علنية من المواطنين”.
وأوضح الموظف، الذي يمتلك خبرة 15 عاما في مجال عمله، أن فواتير الكهرباء التي يتجاوز بعضها (500) ألف دينار عراقي، “غير واقعية” ومبالغ فيها.
تصريحات موظف الكهرباء، أثارت “ضجة” في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي في كردستان، وعرّضته لخطر الفصل من عمله، فقد أحالته دائرته للتحقيق، ونقلت مواقع خبرية ان دائرته طالبته بالظهور في مقطع فيديو آخر والاعتذار والتراجع عما ذكره.
تضاعف الفواتير خلال أشهر
وكانت وزارة الكهرباء في حكومة إقليم كردستان، قد أعلنت في ايلول سبتمبر من العام 2025 أن نحو نصف مشتركي مشروع “روناكي” في مختلف مناطق الإقليم قاموا بدفع أقل من 27 ألف دينار كقيمة لفواتير الكهرباء للشهر الثامن، بينما بلغ متوسط الفواتير لفئة الأنشطة التجارية 79,000.
وأفادت بأن متوسط الفواتير في أربيل بلغ للمنازل 37,000، والأنشطة التجارية 88,000؛ وفي السليمانية: المنازل 15,000، والأنشطة التجارية 72,000؛ وفي دهوك: المنازل 38,000، والأنشطة التجارية 67,000.
واكدت الوزارة أن بيانات المشروع تُظهر أن 80% من المواطنين، دفعوا مبالغ أقل مقارنة بما كانوا ينفقونه سابقاً على المولدات الأهلية والكهرباء الوطنية.
لكن تلك الأرقام تضاعفت مع بداية العام 2026، وهو ما شكل صدمة للكثير من المشتركين رغم اقتصادهم في الاستهلاك، وبحسب أرقام وزارة الكهرباء فان نحو نصف المشتركين دفعوا مبالغ أقل من 74 ألف دينار خلال كانون الثاني يناير. وهذا يظهر تضاعفا للمبلغ مقارنة بشهر أيلول سبتمبر.
وذكرت الوزارة أن فواتير 80% من المشتركين جاءت أقل من 160 ألف دينار، مؤكدة أن أسعار الكهرباء لم تتغير، لكن استهلاك المشتركين هو الذي ازداد بسبب برودة الجو، وأن أي تعديل مستقبلي على أجور الكهرباء يتطلب مصادقة مجلس الوزراء.
أرقام وزارة الكهرباء، تظهر بحسب محللين اقتصاديين، ان نحو 20% من راتب غالبية الموظفين والمتقاعدين، ستذهب الى أجور الكهرباء، رغم انهم اقتصدوا في الاستهلاك وتجنبوا الى حد كبير استخدام المدافئ الكهربائية. في حين ان من استخدم تلك الأجهزة سيدفع ما بين ثلث الى نصف راتبه، وهؤلاء نسبتهم تترواح بين 20 الى 25% من المشتركين.
أين تذهب أموال الكهرباء؟
عضو برلمان اقليم كردستان لأربع دورات متتالية والرئيس السابق للجنة المالية فيه، علي حمه صالح، ذكر بأن عائدات الكهرباء في اقليم كردستان ارتفعت لتتجاوز(350) مليار دينار عراقي شهرياً:”ومع ذلك، لم يكن لزيادة الواردات تأثير إيجابي على حياة المواطنين في كردستان” على حد تعبيره.
ويقول ان عائدات الكهرباء في الاقليم كانت تبلغ نحو(70) مليار دينار عراقي شهريا من انتاج وبيع (3500 ميغاواط) من الكهرباء قبل إطلاق مشروع (روناكي) في 2025. لكن بعد اطلاق المشروع ارتفعت أسعار الكهرباء في كردستان “بنحو ثمانية أضعاف” ما ضاعف العائدات عدة مرات.
ويشير الى ان حكومة إقليم كردستان تبيع (1500 ميغاواط) من الكهرباء الى الحكومة العراقية،
وتبلغ وارداتها نحو (100) مليون دولار شهريا. ويتساءل: “أين تذهب كل هذه العائدات؟ هل من أحدٍ يُجيب؟”.
يقارن عضو البرلمان الكردي، رسوم الكهرباء في كردستان بتلك الموجودة في دول أوروبية
مثل بريطانيا والنرويج والسويد، حيث يدفع مواطنوها نحو (10%) من دخلهم الشهري لأجور الكهرباء، وان كانت ترتفع في بعض الأشهر بسبب زيادة الاستهلاك نتيجة شدة البرودة. على عكس مواطنين الاقليم، الذين يدفع الكثير منهم ما بين (50%-100%) من رواتبهم لرسوم الكهرباء.
ويوضح ان مئات المواطنين تجاوزت رسوم الكهرباء التي تلقوها 500 الف دينار ومليون دينار عراقي،
وهو مبلغ يفوق بكثير رواتب الموظفين التي في الغالب تتراوح بين 300 الى 700 ألف دينار شهريا، مع ندرة فرص العمل المتاحة التي يمكن ان تؤمن دخل اضافي لهم وسط استمرار الأزمة المالية.
ويصف البرلماني عمل الكهرباء في كردستان بأنه “احتيال وخداع” لأنه تحول “من خدمة للمواطنين
إلى مصدر لاستنزاف جيوبهم، وخاصة الفقراء والطبقة المتوسطة والموظفين”.
قطع الخدمة عن العاجزين على الدفع
أدى العجز عن سداد الفواتير، إلى قطع الكهرباء عن آلاف العائلات الفقيرة، ولا سيما في محافظة أربيل.
هذا ما ذكره عضو برلمان كردستان السابق عمر كولبي، ووصف الخطوة هذه بانها “غير قانونية” ويوضح:”لا يوجد نص قانوني يسمح لحكومة كردستان بقطع الكهرباء عن المواطنين إن لم يسددوا رسوم الكهرباء”.
ويرى كولبي، أن مشروع روناكي:”ليس إلا استنزافاً لجيوب المواطنين بفواتير الكهرباء المرتفعة،
وسط الغياب التام للبرلمان لأكثر من ثلاث سنوات، وعدم قدرته على القيام بواجباته ومسؤولياته التشريعية والرقابية على المؤسسات والهيئات والجهات التنفيذية في كردستان” وهو ما سمح بتمرير أسعار جباية كبيرة لا تتناسب مع دخل الفرد في كردستان.
وأظهرت مقارنة أجراها معد التقرير بين أسعار بيع الكيلوواط/ساعة من الكهرباء في إقليم كردستان
ومحافظات عراقية أخرى، وكذلك عدد الدول العربية والأوروبية، أن الأسعار في الاقليم كانت الأعلى، ويتفق الخبير الاقتصادي نصرت صابر خوشناو مع هذا الرأي.
فعلى سبيل المثال، تتراوح تكلفة الكيلوواط/ساعة للاستخدام المنزلي في المحافظات العراقية
بين (10 و20 ) دينارا عراقيا، وتبلغ تكلفتها في المناطق التجارية نحو ( 60) دينارا عراقيا. وبلغت كلفتها في دول مثل السعودية (55) دينار عراقي، وفي الكويت (30) دينار عراقي، وفي النرويج (96) دينار عراقي، في حين تتراوح تكلفتها في كردستان بين (72 و350) ديناراً.
وتزداد الأسعار وفق حجم الاستهلاك، ولاسيما خلال فترة الذورة في فصلي الشتاء والصيف بسبب استخدام أجهزة التدفئة والتبريد.
وعلى الرغم من أن مشروع “روناكي” أنقذ مواطني الاقليم من تلوث وضوضاء ومشاكل مولدات
الكهرباء الأهلية والتي كانت تعمل لساعات طويلة يوميا، إلا أن الخبير الاقتصادي فرمان حسين، يصف المشروع بأنه جاء مثل “عقاب” للمواطنين بسبب ارتفاع اسعار الجباية.
ويعتقد فرمان، أن المشروع مع توفيره للكهرباء لـ24 ساعة، إلا أنه “لم يقدم فائدة فعلية
للمواطنين ذوي المداخيل المحدود، الذين يطفئون أجهزتهم الكهربائية خوفا من الفواتير العالية”.
ويصف الحديث عن الحد من التلوث والفوائد البيئية بـ “المهزلة” لأن مصافي النفط
“غير القانونية” والمصانع والمنشآت “غير المرخصة” كما يقول “تتسبب في مستويات تلوث تفوق كثيرا ما تسببه المولدات الكهربائية، وهي مستمرة في عملها دون توقف”.
على غرار النائب علي حمه صالح، والعديد من المراقبين الاقتصاديين، يُقرّ الخبير الاقتصادي
الكردي بأن “عائدات الكهرباء الشهرية تذهب إلى الأحزاب الحاكمة الشريكة في هذا المشروع”. ويؤكد أن “تكاليف انتاج الكهرباء في إقليم كردستان رخيصة مقارنة بالمحافظات العراقية الاتحادية، حيث يعتمد معظم الإنتاج على الغاز القادم من حقل كورمور في جمجمال، على عكس الحكومة الاتحادية التي تعتمد على الغاز الإيراني المستورد”.
الحكومة تدافع “يجب وقف البذخ”
العضو في الحزب الديمقراطي الكردستاني، ريبين سلام، يدافع عن مشروع روناكي، بقوله إنه:”ناجح بكل المقاييس، سواء من الناحية الفنية أو المالية، وهو جزء من بناء مؤسسات حضارية توفر الكهرباء على مدار الساعة”، بما يساهم في تطوير قطاعات الانتاج الصناعي وخلق التنمية.
ويضيف “إذا استخدمه المواطنون بشكل عملي واقتصادي دون هدر وبذخ، فسيكون إجمالي كلفته أقل بكثير مما كانوا ينفقونه على المولدات الأهلية في السابق”.
ويشير إلى أن جميع المواطنين في العالم يدفعون الضرائب، مقابل تقديم الخدمات اليهم، مؤكدا ان حكومة الإقليم أخذت في الاعتبار عند تنفيذ المشروع حاجات الطبقات الاجتماعية الضعيفة الدخل حيث يتم تأمينها ضمن الحد الأدنى للاستهلاك. ويتابع:”وقامت الحكومة بتخفيض رسوم الكهرباء الى النصف في الأشهر الأولى، ولديها الآن عروض خصم أخرى، هذا كله لا يعني ان المواطن يمكنه الاستمرار في استهلاك الكهرباء دون رقيب”.
ويأتي الارتفاع الحاد في أسعار الكهرباء في اقليم كردستان في وقتٍ يعاني فيه ومنذ سنوات من أزمات سياسية وإدارية ومالية مستعصية تتفاقم دون حلول ناجعة، مما أدى إلى إضعاف الكيان الفيدرالي والدور السياسي لكردستان في العراق والمنطقة، وكانت له تداعيات، يصفها متخصصون، بالـخطيرة على النشاط الاقتصادي. فالأسواق في كردستان شبه مشلولة، وفرص العمل تتضاءل بدل ان تزداد، والبطالة في ازدياد خاصة في صفوف شريحة الشباب، والاقليم عموما يشهد نزوحا غير مُعلن لشركات الاستثمار المحلية والأجنبية إلى مناطق أخرى في العراق.
المشكلة الأكبر تتمثل وفقاً للباحث في الشأن المحلي سلام علي، بتأخر صرف رواتب الموظفين الذين لم يتلقوا آخر راتبين للعام 2025، وأكثر من 30 راتبا خلال السنوات العشر الماضية، الى جانب المشاكل الخدمية في بعض مناطق كردستان والتي يرجعها مسؤولون حزبيون الى فشل استحصال وتوزيع ايرادات المعابر الحدودية في الإقليم.
وتشكل الرواتب العامل الأكثر تأثيرا في دفع اقتصاد الاقليم، فكل القطاعات الأخرى ترتبط بشكل أو بآخر بمسألة دفع الرواتب بشكل مستمر، خاصة في ظل وجود مليون و250 الف شخص يتلقون رواتب حكومية، من اصل ستة ملايين مواطن في كردستان، بما يشكله ذلك من تأثير مباشر على مداخيل عوائلهم.
ويضيف الباحث علي، إلى ذلك، تأخر تشكيل الحكومة الكردية الجديدة قرابة عام وأربعة أشهر من تاريخ اجراء الانتخابات البرلمانية في كردستان، وغاب برلمانها تماما منذ العام 2023. كما أن الفائزين في الانتخابات الكردية، لم يعقدوا سوى جلسة برلمانية واحدة قبل نحو عام وشهرين، مُنحوا أنفسهم خلالها امتيازات وشرعية تلقي رواتب، دون قيام غالبيتهم بأي عمل حقيقي.
البرلمان معطل.. من سيدافع عن المواطن؟
ونتيجة لتوقف جلسات البرلمان وبالتالي تعطله عن أداء مهامه التشريعية والرقابية، كما يقول علي، حدث شلل في عمل العديد من المؤسسات الحكومية التي انتهت مدتها القانونية، وتنتظر العديد من “مسودات القوانين المهمة” في أدراج البرلمان دون تشريع.
وتُعد هذه الحالة غير مسبوقة في كردستان منذ تأسيس سلطتيها التشريعية والتنفيذية عام 1992، فهي المرة الأولى التي يتأخر فيها تشكيل حكومة كل هذا الوقت الطويل نتيجة خلافات الحزبين الكبيرين على المناصب القيادية فيها. فالحكومة العاشرة تنتظر الولادة منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2024.
ويتابع:”كما لا توجد خطط عمل معلنة، ولا ميزانية، ولا رقابة، ولا مساءلة. واعتاد الجميع على استمرار الأزمات، وكأن تأخر رواتب الموظفين، والفساد والمحسوبية، وضعف تطبيق القانون، وتقسيم عائدات المعابر حزبيا، وهجرة الشباب، وارتفاع الضرائب، مشاكل عادية يُمكن أن تستمر دون حلول”.
وعلى الرغم من سلسلة جولات تفاوض، لكن الخلافات مازالت كبيرة بين الحزبين الكرديين الحاكمين، سواء على منصب رئيس الجمهورية الذي يتنتافسان للفوز به، أو بشأن إدارة بعض الوزارات بما فيها الأمنية وبعض الهيئات، والبعثات الدبلوماسية، وعائدات النفط، وعائدات المعابر الحدودية.
أمام ذلك الواقع، لا يملك المواطنون الا أملاً صغيرا بأن تقوم حكومة الاقليم بمراجعة ملف الكهرباء، وأن تجري خفضا نسبيا لرسوم الكهرباء لجعلها مقبولة أكثر لشريحة الموظفين ومتوسطي الدخل عموماً لتفادي غضبهم المتنامي، خاصة مع فشل ادارة المشروع في تأمين الكهرباء خلال أزمة الحرب الامريكية الايرانية حيث تراجعت ساعات التزويد الى ما دون الـ4 ساعات يوميا، وفي ظل ارتفاع اسعار المواد الغذائية وكثير من المستلزمات الأساسية.
ذلك التخفيض المحتمل، تروج له بعض القنوات الإعلامية والمؤسسات الممولة من قبل الأحزاب الحاكمة والمقربة من الحكومة.
“إنها مجرد وعود” يقول هاوكار رسول (32 سنة) الذي يعمل في متجر لبيع المفروشات في مدينة السليمانية، ويضيف:”اذا بلغت اجور الكهرباء 300 الف دينار بالشهر، وتكرموا علينا بخفضهما بمقدار 25 الف دينار أو 50 الف، فذلك لن يكون حلا، في النهاية نحن لا نستطيع دفع نصف او حتى ربع رواتبنا لتسديد أجور الكهرباء فقط.. سنغرق جميعا في الديون”.
ويلفت إلى أنه يتقاضى 600 ألف دينار شهريا، ويتوجب عليه تسديد بدل ايجار يبلغ 250 الف دينار ومثلها في أقل تقدير لتأمين الحاجات الغذائية الأساسية له ولزوجته. يقول:”راتبي بالكاد يغطي ذلك، ونحن نعيش بمفردنا، ماذا لو رزقنا بأطفال؟.. ماذا لو مرض أحدنا؟”.
هو يعتقد ان الأفضل وفي ظل الأسعار الحالية، العودة الى نظام “مولدات الكهرباء الأهلية”: “كانت هناك امبيرات محددة ندفع قيمتها شهريا”. يصمت لبرهة ثم يواصل:”في الأقل كنا نعرف كم يتوجب علينا تسديده، ولم نكن نتعرض للاستغلال الذي نشهده الان!”.
أنجز التقرير تحت إشراف شبكة “نيريج” للتحقيقات الاستقصائية



